تغريده باريسيه-٧

1
0
في هذه التغريده لست اقصد التسليه وانا اعرض نموذج من الشباب المصري الذي يدفع الكثير ليذهب الي أوربا ظنا منه ان أبواب السماء مفتوحة هناك وان الذهب يغطي الشوارع ويرضي ان يقوم بأعمال لو قام بها في مصر ربما ربح اكثر ووفر علي نفسه الآلام الغربه و متاعبها

فتي سان ميشيل محمد البانتير
------------------------------
شارع سان ميشيل هو الشارع الأثير لدي في باريس ، ربما اشعر بالأناقة في شارع الشانزليزيه او الفن في السكيركيراو الثقافه في حي الأوبرا ، لكنك في شارع سان ميشيل تحس بالحياه ، من اول الشارع عند المدينه الجامعيه مرورا بحديقه لوكسمبرج الشهيره و بجوارها بيتسيريا لوكسمبرج الشهيره و عمرها ١٥٠ عاما ويمكنك ان تتذوق فيها احلي إكلير و ميلفي ، وبالمناسبه لقد دعاني مسيو دودل لتناول القهوه و الجاتو في هذه البيتسريا اول يوم وصولي الي باريس ، وإذا انحدرت غربا في شارع سان ميشيل ظهر لك علي اليمين مبني البانثينون الشهر وفيه قبر الجندي المجهول وبجواره مبني جامعه باريس الرابعه او جامعه السوربون الشهيره و ليس علي بعيد منها نقع مباني جامعه باريس السادسه او جامعه بيير و ميري كوري . اذا استمرت في الانحدار غربا ستجد نفسك في مركز شارع سان ميشيل و الحي اللاتيني و نهر السين و علي الضفه الاخري كنيسه نوتر دام دي باريس . قبل ان تعبر نهر السين للوصول الي كنيسه نوتردام ستجد شارع سان جيرمان الذي يوصلك لحي سان جيرمان و يمكنك ان تصل الي الملهي المشهور مولان روج او الطاحونة الحمراء ،لذلك تجدني اعشق الاقامه في المثلث الكائن بين سان ميشيل و شارع الحي اللاتيني و الجلوس في كافيه هاشيت المشهور.
في احدي ليالي شهر نوفمبر البارده نزلت من الفندق لأتناول طعام العشاء و قدحا من القهوه في مقهي هاشيت المفضل مررت بشاب امام المقهي بشاب نحيل العامه يرتدي بلوفر لم أتبين لونه و تحته قميص ابيض و بنطلون جينز و يغني احدي أغاني عبد الحليم حافظ أعتق انها " انا كل ما ربد التوبه" وقفت أمامه وقلت " انت مصري ...؟؟" رد الشاب في نبره ساخره " واحد وأقف في الشتا في الشارع و بيغني بالمصري اغنيه لعبد الحليم ، يبقي ايه هندي...؟؟؟"
رددت ضاحكا " اهلًا بيك ، انا مصري و لم اسمع اللهجة المصريه منذ عده اشهر…." ، عرفته بنفسي و عرفت ام اسمه محمد وهو طالب في كليه الخدمه الاجتماعيه وجاء يعمل في الصيف في مهنه البانتيرهو هي بالعربيه دهان المباني و التشطيبات النهاييه.
دعوته لتناول القهوه في الداخل ولما جلسنا سألته " هل تكسب مكسب يكفيك لتغطيه نفقات الحياه ودفع تذكره الطائره و العودة بالهدايا المتوقعه منك..؟؟"
رد محمد البانتير كما سأسميه " اولا انا لم احضر بالطائرة وإنما on deckعلي سفينة بضائع انا و عشره من زملائي وصلنا الي مارسليا و بالقطار الي باريس وتخلف سبعه كانوا يعملون في جمع التفاح وأكمل الثالث الرحله الي ألمانيا و انا و زميلي نعمل بانتيره ، نحصل علي خمسه عشر فرانك في الساعه يعني حوالي ١٢٠ فرانك في اليوم "
سألته " هل تكفيك و تعوضك عن مشاق العمل و الغربه ..؟؟"
قال " احسن من الصياعه في شوارع القاهره، انا الان في العام الثالث من الكليه و أفكر ان لا اعود و ابقي كام سنه ، طبعا ساخالف الاقامه ، لكن الكثير من زملائي يفعلون ذلك "
قلت له" أليس الأفضل ان تعود وتكمل الدراسه بدلا من البقاء مخالفا للقانون و لو قبضوا عليك سيتم تسليمك للسفارة ..؟"
رد ساخرا " ولو أخذت الشهاده ، سأدخل الجيش و اخرج و أصيع في الشوارع مثل زملائي عدت سنوات و في الاخر وظيفه في مدرسه أرياف بعشرين جنيه"
لاحظت نظراته تكاد تخترق الزجاج و تلتهم عمود الشارمه اليوانانيه في المطعم المقابل للمقاهي و ادركت أنه جائعا و قطعا ليس لديه مايكفي لتناول شاندويتش الشاورما فعرضت عليه ان نتناول العشاء شاندويتشات الشاورما قبل ان نتناول القهوه فلم بمانع علي عاده المصريين فأدركت كم هو جائع ، تركته جالسا وذهبت الي المطعم المقابل و اشتريت سادويتشين شاورمه مع البطاطس الفرنسيه المقليه ، أعطيته احد الشاتدويتشات الذي تناوله في نهم مما يدل علي جوعه و بعد ذلك سألته " هل تريد ان تتناول قهوه ان شاي ..؟؟' فقال" شاي طبعا ، انت نسيت اني مصري..؟"
بعد ان انتهي من الساندويتش أخذ يرشف الشاي بصوت مسموع علي ألطريقه المصريه سألته "اين تقيم ..؟؟" اجاب " خارج باريس وحتي خارج باريس اجره الغرفه المشتركه مع زميلي الذي أخبرتك عنه تستهلك نصف ما احصل عليه واجر الموصلات من خارج باريس والاكل يستهلكان معظم الباقي ، لكن الحياه هنا أفضل من الحياه في أرياف مصر ، فانا أعيش مع اهلي في احدي قري المنوفيه وأركب المواصلات كل يوم لكليه الخدمه الاحتماعيه في بنها ، يعني ليس هناك فرق كبير ، علي الأقل انا في باريس اري ما لم أراه في بنها"
رددت" انت تري و لا تعيش"
قال " في بنها لا اري ولا أعيش "
ادركت ان المناقشه معه لا معني لها و حزنت علي شباب مصر الذي يعيش علي هامش الحياه وليس له أمل ان يعيشها ، افترقنا علي موعد غدا علي ان ادعوه للعشاء في مطعم المدينه الجامعيه . وفي اليوم التالي احضرت معي طقم لَبْس الفضاء كما اسميه وهو نوع من الملابس الداخليه مكون من بنطلون طويل وتوب من القطن المخلوط بالصوف و يلبسان تحت الملابس لإكساب الدفء ، حيث لاحظت انه في اول مقابله كان ترتعد من البرد وهو يلبس البلوفر القطني الخفيف و القميص تحته. تناولنا طعام العشاء في المدينه الجامعيه ولاحظت انت ياكل بنهم الطعام الساخن وفي نهاية الليلة أعطيته طقم لَبْس الفضاء وأخبرته ان لدي اثنين و اني لن احتاجه لأني سأعود الي القاهره في نهابه الأسبوع . افترقنا ولم اري محمود البانتير بعد ذلك ، لكني ما زلت اذكره و اتندم علي مستوي الياس الذي وصل اليه شبابنا .

 

إضافة منذ 3 عام
غير محدد

المصدر

د. عصام نوفل


التعليقات

لا يوجد
zedony.com - A mmonem.com production. Privacy Policy